السيد الطباطبائي
71
تفسير الميزان
الالزام في الحجة بأهون ما يفرض وأيسره ليظهر بطلان مدعى الخصم أتم الظهور كأنه قيل : لو كان غيره تعالى اله يدبر أمر العالم فان جعل الله الليل سرمدا فليقدر أن يأتي بالنهار ، تنزلنا عن ذلك فليقدر أن يأتي بضياء ما تستضيئون به لكن لا قدرة لشئ على ذلك أن القدرة كلها لله سبحانه . ولا يجرى نظير هذا الوجه في الآية التالية في الليل حتى يصح أن يقال مثلا : من اله غير الله يأتيكم بظلمة لان المأتى به ان كان ظلمة ما لم تكف للسكن وان كان ظلمة ممتدة كانت هي الليل . وتنكير ( ضياء ) يؤيد ما ذكر من الوجه ، وقد أوردوا وجوها أخرى في ذلك لا تخلو من تعسف . وقوله : ( أفلا تسمعون ) أي سمع تفهم وتفكر حتى تتفكروا فتفهموا أن لا اله غيره تعالى . قوله تعالى : ( قل أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ) أي تستريحون فيه مما أصابكم من تعب السعي للمعاش . وقوله : ( أفلا تبصرون ) أي ابصار تفهم وتذكر وإذ لم يبصروا ولم يسمعوا فهم عمى صم ، ومن اللطيف تذييل الآيتين بقوله : ( أفلا تسمعون ) ( أفلا تبصرون ) ولعل آية النهار خص بالابصار لمناسبة ضوء النهار الابصار وبقى السمع لآية الليل وهو لا يخلو من مناسبة معه . قوله تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) الآية بمنزلة نتيجة الحجة المذكورة في الآيتين السابقتين سيقت بعد ابطال دعوى الخصم في صورة الاخبار الابتدائي لثبوته من غير معارض . وقوله : ( لتسكنوا فيه ) اللام للتعليل والضمير لليل ، أي جعل لكم الليل لتستريحوا فيه ، وقوله : ( لتبتغوا من فضله ) أي وجعل لكم النهار لتطلبوا من رزقه الذي هو عطيته فرجوع ( لتسكنوا ) و ( لتبتغوا ) إلى الليل والنهار بطريق اللف والنشر المرتب ، وقوله : ( ولعلكم تشكرون ) راجع إليهما جميعا .